الجمعة، أكتوبر 17، 2014

جورج أورويل بين الأدب ...والسياسة ..ربيع مفتاح






جورج أورويل
بين الأدب ...والسياسة
ربيع مفتاح
الرأي بأن الفن يجب ألا يكون له علاقة بالسياسة هو في حد ذاته اتجاه سياسي ، فإذا علمنا أن الدافع السياسي عند أورويل كان من أقوي دوافع الكتابة لديه ، تبين لنا إلي أى حد مزج هذا الكاتب الإنجليزى بين الحس السياسي والمعالجة الجمالية وقد نجح في ذلك أيما نجاح ، خاصة في روايتيه ( مزرعة الحيوان )
، و(1984 ) . وقد كان أورويل روائيا وناقدا وصحفيا وكاتب مقال متميز كل ذلك في روح تهكمية ساخرة وبأسلوب سلس دقيق محدد ،فالمعني هو الذي يحدد الكلمات التي يختارها ، والتفكير الواضح سيؤدي إلي الكتابة الواضحة ، وقد ساعده ذلك الأسلوب أن يجعل من الكتابة السياسية فنا من الفنون .
لماذا أكتب ؟
بين أورويل بداية قصته مع الكاتبة فقال : ( منذ عمر مبكر جدا أحسست بأنني سأكون كاتبا .. وقد كانت طموحاتي الأدبية مرتبطة بشعور العزلة الذي كان يسيطر عليّ ، وامتلكت القدرة علي التعبير بالكلمات ، والطاقة علي مواجهة الأحداث غير السارة ، فخلفت بذلك عالما خاصا بي أهرع إليه عندما تؤلمني مصاعب الحياة ، وكتبت قصيدتي الأولي وأنا في الرابعة أو الخامسة ، ولم أعد أتذكر شيئا عنها سوي أنها كانت عن نمر .
كنت في الحادية عشرة من عمري عندما اندلعت الحرب العالمية الأولي (1914 ــ 1918 ). فكتبت قصيدة وطنية نشرت في الجريدة المحلية .. وحاولت مرتين كتابة قصة قصيرة وكان فشلا مروعا .
كانت تلك محاولاتي الأدبية وأنا صغير وبعدها أردت أن أكتب روايات طبيعية ذات نهايات غير سعيدة مليئة بالوصف والتفاصيل ، والحقيقة أن روايتي الأولي ( أيام بورما ) والتي كتبتها وأنا في الثلاثين من عمري كانت أقرب إلي هذا النوع من الكتابة ، وأعتقد أن الكاتب إذا حاول الهروب من تأثراته المبكرة كلها .. ( فقد يقتل البواعث الأساسية لديه التي تدفعه إلي الكتابة ) .
صراع مرير
ولد جورج أورويل ــ اسمه الحقيقي .اريك بلير . أما أورويل فهو اسم لنهر جميل في شرق انجلترا
ولد أورويل في البنغال عام 1903 ، وقد كان والده موظفا بسيطا في جهاز الخدمة المدنية بالهند ، الذي كان تابعا للإمبراطورية الإنجليزية آنذاك أما أمه فهي من أصل فرنسي وابنة لتاجر أخشاب في بورما . عقب عودته مع والديه إلى إنجلترا ، أرسل عام 1911 إلي مدرسة اعدادية خاصة ، وقد تعذب أورويل في هذه المدرسة لأن وجوده مع التلاميذ الأغنياء أكد لديه الإحساس بالفقر ، فمال إلي العزلة والانطواء .
بعد أن اجتاز ( أورويل ) هذه المرحلة الدراسية بنجاح . اختار ( أيتون ) ليستكمل تعليمه ، وبقي فيها من 1917 حتي 1921 وكان ( ألدوس هكسلي ) الكاتب المعروف أحد أساتذته ، كانت أولي اسهامته الأدبية في ( أيتون ) من خلال دوريات الكلية ، ولم يقبل أورويل علي التعليم الجامعي ، ولكنه قرر أن يذهب إلي بورما عام 1922 ليعمل هناك في ( البوليس الامبراطوري ) وقد أدرك ( أورويل ) كم المعاناة لدي البورميين من جراء الحكم الانجليزي ، وبدأ في مهاجمة الامبراطورية البريطانية وزعزعة أركان هذه المؤسسة الاستعمارية ، وقد ذكر هذه التجارب والخبرات في روايته الأولي ( أيام بورما ) .
في 1927 قرر أورويل ألا يعود إلي بورما ، وأخذ الخطوة الحاسمة في حياته
فقدم استقالته ، وبدأ في اعداد نفسه للكتابة وقرر أن يغوص بنفسه في حياة الفقراء والبؤساء ، فسافر إلي باريس حيث كان يعيش الأدباء والفنانون عيشة بوهيمية ليكتسبوا الخبرات التي تساعدهم كأدباء وفنانين ، عاش في البيوت الرخيصة بين العمال والشحاذين ، وعمل في غسل الأطباق في فنادق فرنسا ومطاعمها وقد أهدت هذه الخبرات لأورويل مادة كتابه ( مستعطل في باريس ولندن ) .
بعد ذلك عاد إلي انجلترا وخالط المشردين والصعاليك حتي اشتغل معلما خاصا واستقربه المقام أخيرا في مكتبة لبيع الكتب . وفي 1937 ذهب إلي اسبانيا
موفدا من قبل إحدي دور النشر كمراسل صحفي ليكتب عن الحرب الأهلية فيها ولكنه اشترك في الحرب ضد ( فرانكو ) وجرح جرحا خطيرا ، وقد سجل كل هذه الأحداث في كتابه ( الولاء لكتالونيا )
في أثناء الحرب العالمية الثانية كان عضو في الحرس الوطني وعمل فترة لحساب هيئة الاذاعة البريطانية في القسم الهندي لكنه لم يشترك في الحرب لعدم لياقته البدنية ، وقد أثر ذلك في نفسه تأثيرا كبيرا .
في سنة 1943 انضم إلي هيئة تحرير مجلة ( تربيون ) ليسهم في تحرير الصفحة السياسية والأدبية وأخيرا أصبح محررا دائما في ( الأوبزرفر) وفي سنة1945 نشر روايته ( مزرعة الحيوان ) وقد بيع منها أكثر من مليون نسخة وترجمت إلي أربع عشرة لغة أجنبية في ذلك الوقت ( ترجمت حتي الآن إلي 39 لغة ) وقد جلبت له هذه الرواية الثراء والشهرة ورغم أن ( السل ) قد بدأ يدمر جسده إلا أنه أكمل روايته الأخيرة ( 1984 ) وتوفيت زوجته الأولي في 1945 وقبيل موته بوقت قصير تزوج من ( سونيا أورويل ) في يناير 1950 ، وفي السادسة والأربعين من عمره مات أورويل وهو في قمة ازدهاره الأدبي .
لم يكون بوقا
كان ( أورويل ) يجد صعوبة بالغة في نشر مؤلفاته ذلك لأنه لم يكن كاتبا تقليديا بل إن صراعاته مع الأفكار البالية والعادات الراسخة لعبت دورا موثرا .
وتلك الخصيصة هي التي جعلت كتابات أورويل تشع لتفرض نفسها حتي بعد وفاته ولأنه انتقد اليمين واليسار معا فقد تباينت الآراء في تصنيف ذلك الكاتب الفريد والحقيقة أنه لم يكن بوقا لأي اتجاه ، ولم يكتب إلا ما يشعر به ويحسه ويعتقده .
كان يبحث دائما عن عالم لا تمزقه أنياب الجوع ولا يسحق كرامته طغيان الديكتاتورية ، فصار بذلك متسقا مع نفسه متوحدا مع آلامه وآماله مهما تباينت الآراء فيه واختلفت وجهات النظر في تصنيفه وفي بداية رحلته مع الكتابة
خالط البؤساء والمشردين وعايش الطبقة العاملة ، ومن يحيون حياة الكفاف فعرف الجوع وأحس بضراوته فأخذ يصارعه ويصارع من يقفون وراءه ويصنعونه ويباركونه ، وتبلور ذلك الصراع من خلال كتابه ( مستعطل في لندن وباريس ) وروايته ( الطريق إلي ويجان بير ) .
ثم انضم إلي حزب العمال واعتنق الاشتراكية ، ودافع عنها في مقالاته ( الأسد ووحيد القرن ) ، ( الشعب الانجليزي ) ، وغيرهما ، كما طالب بتصفية الامبراطورية البريطانية .
عاد أورويل من اسبانيا بعد أن شارك في أحداث الحرب الأهلية الدامية ورأي بعينيه مآسي الديكتااتورية ، وشعر بضراوتها التي تفوق ضراوة الفقر ، عندئذ كرس نفسه لمحاربة الطغيان ، فكتب الولاء لكتالونيا ، يتضمن هذا الكتاب نقدا شديدا للحكومة التي حارب في صفها وأعلن أنه فقد ثقته في روسيا وستالين وقد بلور ( أورويل ) اتجاهه السياسي حين قال في مقال له بعنوان ( لماذا أكتب ) ؟ :: ( قضيت 5 سنوات في عمل لا يناسبني ( يقصد عمله في البوليس الامبراطوري في الهند ) وعانيت من الفقر والإحساس بالفشل ، وقد زاد ذلك من بغضي الطبيعي للسلطة وأعطتني وظيفتي في بورما فهما ما لطبيعة الامبريالية ــ لكن ــ هذه الخبرات لم تكن كافية لتحديد اتجاهي السياسي ثم جاء هتلر والحرب الأهلية الاسبانية ، هذه الحرب والحوادث التي تاتها حددت اتجاهي السياسي وعرفت أين أقف ، فكل سطر من أعمالي منذ 1936 كتبته بأسلوب أو بآخر ضد الطغيان والحكم المطلق ومع الاشتراكية الديمقراطية كما أفهمها ) .
وهكذا فقد وصف أورويل نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي فهو مع العدالة والحرية وضد الجوع والديكتاتورية لكن صراعه مع الأخيرة استأثر بمعظم أعماله وكتاباته في آخريات حياته .
لقد دافع عن حرية الفرد وحرية الأديب ، وحرية الجماهير والشعوب الضعيفة إذ كان أخشي ما يخشاه أن يستبد انسان بانسان أو جماعة بجماعة ، أو دولة بدولة .
بين ( مزرعة الحيوان ) و .. ( 1984)
في روايتيه ( مزرعة الحيوان ) ، ( 1984 ) ، استطاع أورويل أن يؤلف أفكارا في ثوب روائي ، تعتبر هاتان الروايتان بلورة لمعظم أفكاره وكتاباته السابقة والتي حوتها أغلب مقالاته .
عندما عاد من اسبانيا في 1937 بدأ لأول مرة يفكر في كتابه ( مزرعة الحيوان ) وبالتحديد عندما اكتشف كيف أن دعاوي الاستبداد تستطيع أن تتحكم في الشعوب وأن هناك فئات بعينها لا يرضيها إلا ممارسة السلطة واذلال الآخرين ، ولذا فإن الطغيان قد سيطر وساد ، ورغم أن ( مزرعة الحيوان ) رواية ذات صبغة خرافية إلا أنها محملة بالأبعاد السياسية والاجتماعية العميقة . ولذا لم يجد ناشرا لها إلا بعد عناء .
فالرواية تنتقد الحكم في روسيا ( في الوقت الذي كانت فيه روسيا وبريطانيا في خندق واحد ضد النازية ) .
وفيها مزج أورويل بين الحس السياسي والمعالجة الجمالية وقد نجح في ذلك فهو يري أن الدافع الجمالي من أهم دوافع الكتابة لديه ، ولابد للكاتب أن يدرك الجمال المحيط به وأن يعبر عنه في شعر أو نثر جميل وبالتالي يشرك الاخرين في شئ يمتلكه ، ويحس أنه ذو قيمة أما (1984 ) فهي أكثر هجاء ونقدا من ( مزرعة الحيوان ) ففي تلك السنة التي تجري فيها أحداث الرواية كان العالم مقسما إلي ثلاث قوي عظمي لقد عالج فى هذه الرواية ثيمة الفزع الفكري حيث يصبح التفكير جريمة والحب جريمة ، ويتم التجسس علي كل نشاط انساني ، ففي كل غرفة شاشة تليفزيونية لا يمكن اطفاؤها ، وبهذه الوسيلة تستطيع السلطات أن تراقب كل كلمة بل وكل ايماءة .
ثم يجئ ( ونستون سميث ) وهو الرجل الوحيد الذي يثور ضد حكم الطغيان والديكتاتورية ، ممثلا بذلك الفرد المفكر المثقف ، إلا أنه قد خضع وأذعن بعد الإذلال والتعذيب ــ حتي أنه بكى بكاء مريرا عندما رأي نفسه في المرآة لأنه لم يتعرف عليها من أثر التعذيب .
ــ وهكذا نري ونحس ونتألم لضحايا الارهاب الفكري من أمثال ونستون وغيره .
أورويل ومقالاته
كاتب مقال فذ ، بل إن البعض يري أن مقالاته أقوي من رواياته ، وقد عبر فيها عن نفسه أكثر مما عبر في رواياته ، فكانت بذلك إطارا لتحليل معظم أعماله ، وحملت أيضا روحه التهكمية الساخرة ويقال إن أورويل تأثر كثيرا بالكاتب اللاذع ( سويفت ) لكن أورويل يفوق ( سويفت ) في دهاء سخريته وذكاء تهكمه ،ومن أهم مقالاته ، ( الأسد وحيد القرن )، ( الشعب الانجليزي ) ، (إطلاق النار علي أسد ) ( هكذا.. هكذا.. كانت المسرات . ) ( لماذا أكتب ) وقد جمعت هذه المقالات بين الأسلوب السلس والمغزي السياسي العميق .
كما أنه أعجب بالكاتب الانجليزي ( ديكنز ) ولكنه يري أن ديكنز كتب ببراعة عن الطبقة المتوسطة ولم يكن ناجحا عندما كتب عن الطبقات العاملة وإن كان أورويل روائيا عظيما ؛ فقد كتب لاسمه البقاء ككاتب مقال فذ

ليست هناك تعليقات: