الأحد، أكتوبر 19، 2014

عبد المقصود الصياد .يكتب .. عبلة في عيونهم





عبلة .. في عيونهم

ــــــــــــــــــــــــــــ
(فراشة جئت ألقي كحل أجنحتي
لديك فاحترقت ظلما جناحاتي)
حسن المرواني
إهداء
إلى كل من ترك الكتابة
الآن آن لي أن أعرف..كيف استطعتم ........
الصياد
مفتتح

يُحكى أن حورية نزلت أرض المتنبي ؛ فاحترقت ؛ثم من مكان احتراقها خرجت وردة .......
خذيها ........
فهي لكِ
هي والخطوط الحمراء
لا تدخلي هذي المدن
إني أرى في الأفق نار
وأجول في كف الزمن
فأشم رائحة الدمار
إني أرى في الأفق نار
إني ولدتُ
على كفوف الحورِياتِ
فلم تصبني
أي شائهةٍ
وعندي من حديث الريحِ
للأشجار أغنيةٌ
وكفي قلب عصفورْ
إن في شرع اليماماتِ الأليفاتِ
إتباع مصيرها
عذب فرات لم يزل
البحر هذا فوق كفي لم يزل ........
عذبا فرات
لا تقربي ذاك المصبَّ
فإن ماء النبع هذا قد فسد
لا تشربي
أغريتها
جاءت على كفي ..
كأن الوصل موصوفٌ لها
نزفت هناء ...
نزفت هناءُ ولم تطل
و استغفرت لي ثم طارت
إن في شرع اليماماتِ الأليفاتِ
إتباع مصيرها
هذي المدن عبثت بها كف البشر
لا تدخليها
إن في شرع اليمامات الأليفاتِ
إتباع مصيرها
يا ريحُ لا ...
لا تدخلي هذي المدن
لا تغضبي كف الزمن
إني أرى في الأفق نار
إني أرى في الأفق نار
الفصل الأول
واغتالت الصورة كل أغنيات العرس
-1-
قبل مجيء أكتوبر ببضعة أيام قليلة ، وصلتني دعوة تفيد بأنه سيتم زفاف العروسين " أكتوبر و سيناء" في اليوم السادس ، والحفل بالمسرح العربي الكبير ، ومركز الزفاف " مصر " . لملمت أغنياتي ، مرنت صوتي ، وأخذت الدعوة بحضني حتى نمت .
في أثناء الحلم جاءني قبيح وكفه محنى بلون الدم .. اقترب مني ، ثم تحدث قائلا :
"تعال معايا وهاوريك العريس وكمان المسرح قبل ستاير الورد ماتغير فيه " .
تعجبت ، ثم همست لنفسي قائلا :
" ده معزوم ؟ إخيه !! ..
ذهبت معه ؛ لأتآلف مع المكان ؛ ولأرى العريس قبل الدخول في مراسم العرس التي حتما سوف تغير منه .
دخلت الساحة و كأنني مغمى ، لا أريد غير أن أرى بطل هذا العرس ، فصحت مبتسما :
" فين العريس " ،
فتجهم الجميع ولم يردوا ؛ فأشار قبيح النفس وهو يقول :
" العريس أهه "..
تعجبت من منظره .. لكنني تقدمت مسرعا وبسطت يدي كي أصافحه .. ظلت يدي معلقة قليلا ، حتى قلت :
" أنا اللي هاغني ف فرحك " .
بصق في وجهي قائلا :
" وكمان لك نفس وعايز تغني !! مانتش شايف !! ..
نظرت إليه في غضب ؛ فوجدته مكتوف اليدين ، وآثار بعض السياط على جسده .. لم أفهم .. ولكنني حاولت تحريره من تلك القيود . سألني بأسى : " ممكن صحيح القيود تنحل ؟!
ابتسمت في وجهه قائلا : " هاحاول " ..
أشار بطرفه ناحية الشرق ؛ فوجدت أسيرا ، وبعض الضعاف مصلوبين ، والسياط تنهش أجسادهم والدم منها يسيل .. اغتالت تلك الصورة كل أغنيات العرس ولفظها قلبي ولم يعد به حرف منها .
صرخت قائلا : " موش راح أغني وكمان الفرح موش هايتم " ..
نظر إلي ثم ضحك باكيا وقال : " الفرح هايتم " ،
وتنهد ثم أكمل : " صورتي هاتتبدل بصورة قديمة عفية بتاعت - 73- والعروسة جديدة بتاعت النهاردة . .
انطلقت ثائرا : " متبقاش موهوم أمال اللي أنا شوفته دا إيه ؟! ..
نظر تحت قدميه ، واتجه بعينيه ناحية الشرق وهو يقول :
" ده وده و كمان ده و غيرهم وغيرهم هايتداروا وينشالوا من الخلفية "
-2-
شعرت بالاختناق .. وددت الخروج من ذلك الكهف المظلم .. اتجهت نحو السلم .. أزحف وكأنني دودة .. غير قادر على الانتصاب ...و أخيرا ، وبعد معاناة شديدة ؛ وجدت نفسي على السطح .. المكان مفتوح .. والهواء أنقى .. أخذت شهيقا بعمق المسافة من لحظة ميلادي حتى وقتنا هذا ..شعرت بجزء من الارتياح…
الأمل سلطان عليك
بيوشوشك
فبتنتفض
تفرد جناح الحلم وترفرف عليهم
ألف ضحكة في عيونك
لابسه توب موش لون عنيك
الأمل سلطان عليك
انتصبت وشعرت بأنني خفيف الحركة .. حر وكأنني مستثنى من قوانين الجاذبية .. اتجهت إلى إحدى النوافذ .. شيء غريب .. لم أستطع الخروج من تلك النافذة برغم أن محيط فتحتها يتسع لخروجي في جميع الأحوال حتى ولو خرجت بطريقة مستعرضة .. قررت المحاولة عدة مرات ولكن حدث نفس الشيء مع أنني كنت في كل مرة أختار نافذة أكبر من تلك التي تسبقها .. ولكن دون جدوى .. ماذا يحدث ؟!! هل حجمي أكبر مما أعرف ، أم أن هناك شيئا آخر ؟!!
لم يعد أمامي إلا الخروج من هذا السقف المفتوح ، و أن ألقي بنفسي في الهواء ، وأنظر ماذا سيحدث .
شعرت بارتطامي بالأرض لكني لم أشعر بآلام الصدمة ، ولا بأوجاع جسدي .. خرجت مني من أضاءت العتمة فوجدتني أشلاءً على الأرض .. دمي يصيح ، ويخرج منه أناس وطيور .. انتشروا في المكان وأخذوا يتحركون في كل اتجاه بحركات غريبة لم أعرف معناها ؛ ثم خرج من كل فرد زوجان .. أعطى كل منهما ظهره للآخر .. افترقا، وبدأ كل منهما يدور على محيط المساحة الكائنة ، وعند انتصاف الدائرة .. تواجها .. كل منهما يحاول دفع الآخر حتى يتم دورته ، ثم اتجهت هي إلي .. جمعتني ؛ ثم طارت ... وبدأت لعبة الأضداد .
الفصل الثاني
رحلة إلى أرض المتنبي
_ 1 _
الشمس مالت ع الغروب
بتوشوشه
بتقوله شعر
ملفوف ف سر
السر ده
يوصلني قبلك ..
أصلي حاوي ..
أصلي بفهم ف الكفوف
الكف ده متحني قول
والكف ده متحني قول
وأنا خايف أبدر غلتي
قدام طيور ميقدروش
_ 2 _
ورثة السوفسطائيين أطلقوا نسورهم .. ورثة سقراط أطلقوا طيورهم .. و المتطفلون أيضا أطلقوا بلابلهم …بعد أن نفثوا من روحهم فيها .. كل منهم في طيره …
" والوقت الراهن ذئب يعوي " .
_ 3 _
بعد إلحاح طيره " حمام أبيض " .. قرر أن يطلق سراحه بعد أن علق برقبته أغلى ما يملك .. قلب يعي .. قلب يرى بعضا مما في قلوب الآخرين … " قلب هناء "،ثم همس في أذنه قائلا :" إياك أن يجرح .. لو جرح .. فسأذبحك … ثم انطلق خارجا إلى النهر .. وهناك أخرجه من معطفه ، ثم تركه حرا …
" حمامات اليوم تصوَّب نحو الهدف .. إما تطير و إما .. ستأكل"
_ 4 _
النهر يصرخ صراخا مكتوما ، وبخار الماء الخارج يبعث فيَّ ألف سؤال .. حقا إن الوضع غريب يثير فضولي ،و يغري على الاكتشاف ..ماذا به ؟!! ماذا بهم ، و ماذا سيحدث ؟!! .. اتجهت إليه بإحدى عيني ؛ أراقبه .. أتوقع أن تحدث تغيرات بالغة الخطورة ...
إلى الآن لم يحدث في الوضع شيء
وفجأة اتجه إلى النهر صامتا ، ثم أطلق لخياله العنان …
شطرت النفس شطرين
شحنت خواطري ..
ونزفت في قلب الحياة محبتي ..
وتهيأت كل الجوانح للسفر ..
ونثرت في دربي زجاجا خلف خطواتي
- 5-
درجة الحرارة تفوق كل درجات الخيال .. شئ غريب " أتسقط الأمطار في مثل هذه الظروف " ودون أي تغيرات في الطبيعة ؟!! .. لا .. لا بد أن في الأمر شيئا آخر …
" نزيف "
أطالها ثم سقط شبه مغشي عليه .
- 6 -
فوق … بعد أن جرح طيره .. بعد أن استهانت به النسور ، وبعد أن تطاولت عليه البلابل ، و قبل السقوط .. خرج من هذا القلب طير خرافي .. نظر لليمين ، فاليسار ، ثم اتجه ناحية القلب المعلق و الطير الجريح ، و حملهما و طار بهما إلى أرض لا يعرفها الناس .
- 7 -
أنا هو ؟ .. هو أنا ؟ ..لا يهم …
أنا لست ببلبل
أنا لست بنسر
أنا طير لم يعرف بعد
أنا طير بالأفق يطير
أنا طير يهوى السكين
إن يجرح ينزف طيرا آخرَ
أقدر منه على الطيران
مغرور ببراءة طفل
أنا قلب ينتعل الشياطين وينظرُ
بعيون الملك الشعر الشمس العربية
أنا أغرب ما يعرفه العالم ذا
أنا إنس عشقته هناء
أنا جن وهدته حورية
الفصل الثالث
الرهان
_1_
خرجت عبلة من بيتها
وهي تستر عورتها كاملة ..
نهروها : " مباشرة " ؛
اتجهت إلى الجبل ،
صعدته
نظرت ؛ ثم استعدت لكي ……
تجردت من ملابسها ،
ثم غطت رأسها تماما ..
لما نزلت ..
قالوا عنها :
"حديثة ".
_2_
خمس سنوات لم نلتق .. لكني مازلت على عهدنا .. لازلت أجوب ذاكرتي ..لازالت تجول بخاطري .. أحدثها كما لو كانت معي .. تحدثني كما لو كانت تراني .. لازلت أذكر آخر لقاء لنا .. لم يزل محفورا بذاكرتي .. لم يزل أمام عيني ..حين خرجنا من شارع محب في اتجاه المحطة _ خمس و عشرون _ دقيقة نتحدث فيها بلا توقف ، وكأن الزمان قد اختصر على شفتينا ، و الرفاق مندهشون ؛ إذ أننا لا نكمل العبارات ، وكأننا نتحدث بشفرة خاصة بنا .. دخلنا حقول الحروف ، وروينا مساحات كبيرة .. في تلك الدقائق القليلة تحدثنا فيما يتكلم فيه غيرنا في سنوات طوال .
وصلتا إلى المحطة .. تصافحنا ، وانقسمنا مجموعتين .. مجموعة ستركب القطار ومجموعة ستركب السيارة . مشيت مع الرفاق ؛ لدخول المحطة ؛ لنصعد إلى الرصيف .. تمهلت في خطواتي أفكر في شيء ما .. قلت في نفسي لابد أن آخذ برأيها ؛ فهي تراني من داخلي كما كانت دائما تقول .. التفت ، وناديتها "هناء" ،
التفتت ؛ فأشرت إليها أن تنتظر ..
سألتها : خرجت عبلة من بيتها وهي …… ثم اتجهت إلى الجبل صعدته ، ثم استعدت لكي …… وطلبت منها أن تكمل ..
ابتسمت قائلة : " عبلة ؟!! " أم " الرهان !!! "
قلت : "أي رهان ؟!! ..
بطبيعتها المرحة :
"أما زلت تشك في أني أراك من داخلك ؟!! ..
أشرت إلى الساعة ؛ فموعد القطار يقترب .
صافحتها ..:" اذكريني "
.. قالت :
"من عادتي الرجوع بذاكرتي في كل مساء ؛ لأعيد أغلى الذكريات .. اطمئن
، ثم سألتني :
" هل ستشتاق إلي ؟ "
قلت : " تعرفين ،
ثم رددت :
" مولود ف قلبي نسخه منك
لما تكبر تبقى إنتي
وابقى أغنى الناس بقلبك " .
-3-
الخيال وحده لا يغني عن الحقيقة .. كما أن النسخة تفتقر دائما إلى روح الأصل .. من حين لآخر أشتاق إليها.. أود رؤيتها ،أو حتى السؤال عنها ؛ وخاصة بعد أن رأيت بعيني " لعبة الأضداد " أو اللعبة السخيفة ، كما كانت دائما تسميها .. "لعبة الثقافة" .. – مثقفون ومدعون ثقافة ومثقفون بين بين – واللعبة واحدة .. كل منهم يحاول جذب الآخر إلى المساحات التي يدركها جيدا ليرى ارتباك خطوات أخيه ؛ ليسخر منه أو يضيف لبروازه كما يعتقد خاطفات الأبصار .. هذه اللعبة أكرهها كثيرا أنا أيضا – ولكني واللهِ لا أكره أصحابها ؛ فأنا أشفق عليهم ؛ فهم في الغالب لا ينتجون إلا الكلام ولا يغزلون غير الصراع .. ولكن ماذا أفعل ؟!! .
سألت نفسي كثيرا ، فأنا كما تعود أصدقائي التسامح أقرب لي من الانفعال – ولكني إذا لم أسامح فإني آخذ حقي تاما – ثم أجبت نفسي لا شيئا .. إن كانوا هم نسورا أنا لست ببلبل .. في هذه اللحظة شعرت بأنني في أمس الحاجة لمقابلة "هناء" و لكن .. أين هي الآن ؟ تذكرت عماد ، فقد عرفت أنه تزوج من صديقتها رباب .. أجريت اتصالا هاتفيا ، فوجدته ترك البيت ، وانتقل إلى شقة أخرى ، ثم أعطاني والده رقم هاتفه .. لما حدثته ؛ عرفني من أول وهلة ، وأصر على أن أزورهما ؛ فوجدتها فرصة ؛ فأنا أشتاق إليهما كثيرا ، وإلى حوارهما الشيق ؛ كما أن السؤال عن هناء في هذه الحالة سيكون طبيعيا .
طرقت الباب .. فتحت رباب الباب ، واستقبلتني كما لو كنا لم نفترق ، وفرح بي عماد أيضا ولم تصنع الغربة أي حواجز بيننا كما كنت أخشى .. كنت مندهشا .. كيف تزوجا وهما مختلفان في كل شيء تقريبا !! فعرفت أنهما حصلا على عمل في مكان واحد ؛ فتزوجا .
تحدثنا كثيرا ، وضحكنا أكثر، وخاصة عندما سألته عن الزواج .. أخبرني بأن الزواج كشجرة ظلها كثير ، ولما سألته عن الثمار .. همس في أذني :
" بلاستك " ، فقلت في أذنه :
" يبقى كفايه عليك الضل "
همس في أذني ثانية :
" ضل إيه داحنا عايشين ف كحل "
ولما انطلقت ضاحكا ؛
قالت رباب : " عقبالك "
فقلت سريعا :
" لأه .. عبالك إيه ؛ أنا مابحبش البلاستك ، وكمان بخاف من الضلمه "
الوقت يمر ولا أجد الفرصة للسؤال عن هناء .. صمت أفكر كيف أسأل عنها .. سألت نفسي أسئلة كثيرة : هل لم تزل كما كانت ، أم أنها قد تغيرت ؟ وهل .. وهل وأسئلة أخرى .. لم أنتبه إلا عندما ضحك عماد ،
وقالت رباب : " قلبك فين د الوقت ياعبده "
فقلت : " في الباجور "
ضحك عماد ولكن رباب فهمت ما أعني ؛ فسألتني باسمة :
" تشربها إيه ؟
أسرع عماد : "حديثة"
قلت :"كما كانت دائما .." بسيطة "
فقال بلهجة ساخرة :"مباشرة" ؛
فنهرته رباب :" بلاش عبط .. هناء طول عمرها بين وبين ؟ .
الفصل الرابع
كُشري
-1-
نظر في عيني اليسرى .. سألني : " أنا ؟ "
قلت : " لا " ؛
غضب ؛ فثار : " أنت تكذب "
ثم أكمل منتشيا :" أخبروني بأنني هو " .
نبهته : " احذر .. مرآتك شيطانية .
_2_
بعد أن دخلت المطعم ، سألني النادل عما أريد ...
"كشري " قالها بصوت عال وهو يطيل في الكلمة ..
نظرت إليه مبتسما ابتسامة خفيفة ، ثم ضحكت قائلا :
"بس غير اللي انت بتاكله ده خالص " ،
ثم أشرت للنادل وأنا أقول : " بس كتر الشعرية " ،
فذهب بعد أن أشار قائلا :" عنيَّه " ..
جلست ظهري لظهره .. لكنني أبدو له في المرآة التي أمامه وجها لوجه ، وكذلك الوضع بالنسبة له ، فكل منا يرى الآخر أمامه ..
"كشري !!! موش قلتلك ميت مرة لازم تخلص للنوع "
نظرت في المرآة ، ثم قلت في نفسي :
"انت برضه ورايه وراية ... يا عم حل عني بقه ... والله لو عملت إيه .. ها تعمل برضه موش عاجبك " ،
ثم رددت مازحا :"
انت مالك انت يا سوفسطائي .. أنا باخلص للحالة وباحب الكشري .. وما لكش دعوة "
وضع النادل الطبق وهو يقول :
" وصايه ... على ذوقك .. شطة كتير والحساب ....... مدفوووع " نظرت إلى الطبق مندهشا :
" معقوله !!! طبق الحلم .. هناء .. عبلة في عيونهم .. حورية أرض المتنبي !! "
وتذكرتها حينما صعدت لتلقي قصيدتها سند ريلا وعندما لم يعجبها الوضع وضعت حذاءها على المنصة ونزلت ، ولما أفقت .. وجدته قد قام من مقعده ، وصب في الطبق كل ما لديه من شطه ، لما نظرت إليه وجدته يصرخ بشدة .. كانت هي أسرع من أي رد فعل لي .. في لحظة ..كانت قد ملأت الملعقة بالشطة وقذفتها في وجهه .
بعد أن خرجنا ، سألتها إلى أين .. قالت : "المولد ".. ولما سألتها أي مولد ..صمتت ،
فقلت :"عروستي " .
قالت : " في المولد أراجوز ..
في المولد مكيالين تلاتة أربعة يعني ..
على حسب ..
في المولد .... أبو وشين ..
عمك علي دابل فيس ..
في المولد بودي جارد وبتاع تلات ورقات ..
الشعر فين .. الشعر فين .. الشعر فين ؟!! واللي من الشلة يبقى شاعر .. " قاطعتها :"خلاص عرفت حقول الأمراض النفسية ..
يعني أرض المتنبي تاني ؟!!!"
ثم سألتها :"هاتقولي شعر ؟!! "
بنبرة حادة قالت :"لأه " ،
ثم أكملت بمرح :"هاتفرج بس " .
_3_
الروث مالي المكان
شياطين ولابسة توب ملايكه
والقلل مليانة فاضية
موش مهم
المهم إن القلل محكوم غطاها
والقعدة تغري ع القعاد
موش مهم
الكفوف يجرحها شوكك
لأ فداك ألف كف
بعد أن خرجنا قررت شراء ملابس حديثة ولما وقفت أمام الفاترينة .. اندهشت عندما وجدت معطفين من نفس الخامة ولهما نفس الشكل لكن أحدهما أغلى من الثاني ولما سألت البائع عن السبب قال :
"ده دابل فيس يا بيه .. يعني يتلبس ع الوشين " .
فضحكنا ثم انطلقنا في صوت واحد :" حتى الجواكت بقت دابل فيس !!.
نزلنا وسط المدينة .. أخذتنا نشوة غير عادية .. صرنا نضحك ونمرح ..نجري ونتسابق .. كنا مثل فراشتين .. لم نشعر بوجود أحد ، وكأنه لا يوجد بالمكان غيرنا .. تلفت هنا وهناك .. أدهشتني كمية التغيرات التي طرأت على المكان .. نظرت إليها حزينا ؛ فعرفت كعادتها ما يدور بداخلي ؛ فانطلقت بنشوة حزنها الرومانسي :" لأ ياعبده .. الأماكن لسه فاكره .. تحت الأسفلت فيه الأرض .. الأرض ديه لسه بتنبض صوت خطواتنا .. والهوا ... لسه بيعرق أنفاسنا .......... " قاطعتها :" خلاص يا بنتي احنا ها نقلبها شعر .
سرحت هي كثيرا وسرحت فيها .. نظرتْ ؛ فنظرت إلى وجهها .. عينيها اللتين كلما نظرت إليهما ظمإت واشتقت إليها .. لم أدر كم من الوقت مر ، ولم أعرف فيم كانت تسرح .. لكن أشد ما يحزنني هو أنني لا زلت لا أعرف إلى أين ذهبت .
الفصل الخامس
الحُلم
_1_
ليلة زفافك يالقلم
الشمس حبلت بالوجع
والأرض راهنت ع القصيدة
واللي باقي من تراثنا والجدود
_2_
عائد إلى البيت .. من أين لا أدرى ، فإذا بي أجد البنتين اللتين أحببت أن تكونا زوجتين لي ولأخي وقبل أن أرحب بهما .. صدمني بما فعله معهما .. إذ أخبرهما بعدم وجود الماء ، و عندما عاتبته ؛ سخف من اختياري قائلا : "دول ؟!! دول سمعتهم وحشه " .
لم أدر بما فعلته حينها .. لكن كل ما أذكره أنني اتجهت مسرعا من بيتنا – تلا شارع البحر – إلى داخل البلدة ، وقبل أن ألحق بهما .. قابلت " عليا " ، فسألته إن كان يعرفهما ،
فأشار " نعم ".. أخبرته بما قاله أخي ؛ ضحك بصوت عال ثم أكمل قائلا "
عيبك إنك ما تعرفش لغه – سمعتهم وحشه يعني حلوين وولاد ناس يعنى الوحده فيهم لما تقول ياجواز …
قاطعته " خلاص يا علي وصلت " .
_3_
أرهقني خطاي السريع .. دون وعي وجدت نفسي بكلية التربية بطنطا .. أمام مدرج الحقوق .. الباب لم يزل مفتوحا .. في البداية لم أدخل ، واكتفيت بالسماع من الخارج .. دون أن أدري تقدمت خطوات قليلة نحو الداخل ..ربت خفيف على كتفي .. التفت -هي – سألتها عن حالها .. ردت بصوتها العذب
" الحمد لله " ..
أشارت إلى المنصة ، وسألتني عما يحدث ،
فهمست إليها : " حداثة "..
وضعت الإبهام والسبابة خلف أذنها ؛ فعرفت أنها تصطنع عدم السماع .. فهذا أسلوبها الذي تعودته منها .. فهي دائما لا تحب غير سماع الحقيقة ؛
فهمست ثانية : " هلوسة " .
رجعنا إلى الخلف .. نتحدث تارة ، ونعلق أخرى .. لم ندر أن صوتين قد سمعا إلا عندما خرج إلينا أحد الحضور ، وتحدث معنا بطريقة جافة .. في أثناء الحديث انفعلت … :
" إيه يعني هما الشعرا بيمشوا ع الأرض وبقيت الناس بيمشوا ع الحيطه ؟!! " …
سمعت ضحكات هادئة تأتي من الداخل ؛ نظرت ، فوجدته ينظر إلي ويبتسم ، فحييته .. ترك المكان وخرج إلينا .. تلفت .. فلم يجدها .. سألني أين ؟ فقلت : "لا أعرف " سألني من ؟ سكت .. قال : " عروستي " قلت :
" ف البساطه زي ورده ..
صوتها دافي زي فايزه ..
وف جمالها قول حورية ..
بنت جادعه قول … " هناء "
أكمل هو .. اندهشت .. كيف عرفها ؟!! قال إنه يعرفني جيدا ، وسألني عن البحر ، فأجبته بجزء من قصيدة لصديقي " طه زكريا "
" البحر قد تثاقلت أشجانه
وتنهدت نسماته
ثم ارتمت موجاته
تبكي على صدر السواحل ،
والرياح تشدها ،
وتضمها ،
وتلملم الدمع الذي
زرع الشرود بعينها
والطير جهم ما شدى
زعموا بأن رحيلها آت غدا " )..
ابتسم قائلاً :
" ستعود تنزف طائعة " ،
فقلت :
" لا .. لا أظن ..
خرجت من كل البحور ولم أعد أهوى السفر
" أشار ناحية القلب …
قلت : " القلب كهفٌ باردٌ "
قال : " الشمس "
قلت : " الشمس تبدو في الأفاق كنارٍ نافرة "
أخرج من حقيبته كتابا وأشار اقرأ ..
قرأت : "583 catermillar " ونطقت : " 583 caterpillar "
قال وكأنه قد اكتشف سرا غامضا : "نعم " ،
فقلت : " ما هذا " ؟!!
قال : " حياتك كلها "، ثم سألني عن الحقد ، فقلت :
"الحقد آفة الإبداع "
فأكمل : " والغرور حافة الهاوية " ،
ثم قال لي المثل الشعبي : " ما عدوك إلا ابن كارك " ،
فقلت : "ما حبيبك إلا ابن كارك .. ولا أخوك غير مين يشاركك ف همك " ، نظر إلي مبتسما وأخبرني بأنني ملك بداخله شيطان ، وأنه " أي الشيطان " قادر على أن يفعل بي أشياء قليلة ولكن بالغة الخطورة .
مد يديه بالكتاب كي آخذه .. أمسكت الكتاب ، وفتحته ، قرأت أجزاء صغيرة من صفحات مختلفة .. لم أفهم سوى عبارتين : قاص يمشي بأقدام الشعر ، والثانية : نسر نزعت منه غريزة الافتراس .. رددت إليه الكتاب وقد قررت أن لا آخذه ؛ غضب وسألني لم ؟!!
قلت : " لم أتعود أن أهين الكتب .. فإذا أخذته منك فلن أقرأه .. فما عاد عندي وقت كي أبحث عن معاني المفردات في المعجم . أخذ الكتاب وفتحه من آخره ؛ فوجدت معاني المفردات ومفاتيح الرموز .. شردت بخاطري لحظة ، وعندما أفقت .. لم أجده ، ولم أجد الكتاب ، ولم أجد حتى هناء .
_4_
أحسست بقلق عليها .. قلبي يحدثني بأنها ربما تكون في خطر .. ولكن .. هل يتم القتل في محراب العلم ، أو يتم القتل بين أغصان المشاعر ؟!! . لا .. دعك من هذي الوساوس وابحث عنها في هدوء .
بين مدرج الحقوق والمدرج الأكاديمي .. مكانها المفضل .. أحدق في وجوه الموجودين .. تبدو بعيدا منزوية بجوار المدرج الأكاديمي .. أسرعت إليها .. فإذا بها تبكي ، ولما سألتها مم ؟ قالت : " أراد أن يقتلني .. نظر إلى بطني في عجب ، ثم سألني : " هل تحبين الحياة ؟ " ،
فنظرت باسمة أجل
أنا لم أزل أهوى السفر
وأجيد نظم مشاعري
أنا لم أزل أهوى السفر
وأريد فتح دفاتري
أنا لم أزل أهوى السفر
فلدي أقوال أخر
ولدي أحلام أخر
أنا لم أزل أهوى السفر
" فقال في حنان : "
لوَ أنَّ الحياة لديها اختيار .. لأبقتك فيها ليوم الحساب
ولكن …
وتغير فجأة ، وثار لابد أن أقتلك ، فصرخت .. ولما انتبهت الناس خرج مسرعا .. صرخت فيها : لماذا ابتعدتِ ؟!! ، ففجرت لي مفاجأة كبرى .. من حاول قتلها ليس من تحدث معنا بطريقة جافة.. من حاول قتلها الآخر .
عاتبت قلبي كثيرا إنه لا يخطئ الناس ، فكيف هذه المرة ؟!! انطلقت باكيا كما الأطفال .. كفت هي عن البكاء ونظرت إلي في هدوء .. نظرت في عينيها ..
براءة ..
لو أَن شياطين العالم نظرت
لكفت عن ارتكاب المعاصي ..
قالت : " أراد أن يقتلني ولم يحدث .. فلماذا تبكي الآن ؟!!!
؛ نظرت إلى الأرض خجلا منها .. مفاجأة أخرى مظروف على الأرض .. قالت إنه قد سقط منه .. فتحته .. فقرتان :
الأولى رسالة لك :
بين وبين الدنيا ليل
والبلابل نايمه في حضن النسور
والثانية رسالة لها :
لست من أقصدك .. إنما …
الفصل السادس
سقراط وسوفسطائي .. وبينهما ألف جاهل
-1-
سألني : " متى يحبط المبدع ؟ "
قلت :
" لما جاهل
يجي يرفع عينه فيه ويقيمه "
-2-
بعد أن مزقت آخر قصائدي .. قررت أن أحرقها .. في أثناء الحرق تشكل الدخان كائنا يشبهني .. لم أدهش حيث أنني اعتدت ذلك منذ فترة .. لما سألته .. :"من أنت ..
قال : " شيطانك " .
فزعت ،ثم انطلقت ثائرا :
" شيطاني !! امشي ..
موش عايزك تقرب ..
رد في هدوء : " لأه ، أنا عايز أخدمك ..و بعدين ما تخفش قوي كده "
تخدمني ! .. وماخفش يا عم روح .. يا عم روح لحالك .
ألح عليَّ قائلا : " طب جربني "
أجرب ؟!! … لأه .. و لا أقولك .. ماشي أجرب .. وديني الجنة .
الجنة دانت بتحلم ..
قالها في نفسه ، ثم تحدث قائلا :
" نادي الأدب ؟!!
رددت مازحا :
" يا عم باقولك الجنة .. الجنة !! .. موش جهنم !! .
-3-
بعد مداولات طويلة .. لم يعجبني شيء ،فقررت الافتراق ." وريني عرض أكتافك .. شكلك كده عاوز توديني النار !! امشي من قدامي أ حسن أحرقك "
تحرقني ؟!! أنا عارف أنت عايز تروح فين .. وبحذرك : زي ما فيه هناك سقراط .. هتلاقي برضه خلاصة السوفسطائيين ، و موش حاتقدر ع الصراع .
-4-
أنقذونا ..
رائحة السوفسطائيين تملأ كل أرجاء المكان
وتخنق كل إبداع حقيقي .
هناك و بعد صراخ الأطفال ، و اجتماع الناس بقرب النهر ؛ ليروا ماذا حدث .. امرأة تبكي وبيدها اليسرى منديل وعليه دم .. قالت أنه قد خرج من بين فخذيها .. أبتسم ابتسامة ساخرة ؛ فأنا أدرك أنه كذب ؛ فأنا أعرفها جيدا .. " عاهرة " التقط كل من الحاضرين شرشرة على شكل نصف دائرة ، وصرخ :
"مين ده ؟ إحنا لازم نقتله " .
أشارت باليمنى إلى شجرة التوت ، وقال الأطفال بصوت يختلط بالبكاء
: " عمي هو اللي جرح عمتي " ؛
فثارت من بين الحاضرين بنت : " أستغفر الله .. أستغفر الله العظيم .. هي حصلت أنا لازم أموته بنفسي .. هو فين ؟!! ..
قلت في نفسي : " يا ختي اتلهي هو إنتي فاهمة أي حاجة .
اقترب أحد الحضور من الشجرة ، وأمسك بأحد فروعها ، وظل يهزه حتى بدا الآخر وهو يصرخ في الناس :
" هاقع .. أنا هاقع يا ولاد الكلب وانتم برضه موش فاهمين أي حاجة .
ثم سقط على الأرض ؛ تعجبت الناس إذ أنه سقط بخفة .. سقط واقفا ولم يحدث له شيء .. برغم أنه سقط من مكان عال .
ظل يتجول بين الحاضرين بخفة ، ثم اتجه نحوي وهو يبتسم ، وأشار لي بسؤال ؛ أشرت :
نعم أنا أدرك جيدا ، أخصب أراضي الخير شاعر ،
ولما سألني عن أخصب أراضي الشر قلت : شاعر . ثم رددت :
" أصل الشاعر لو كان حقه بجد ..
يرمي قلوعه ف وسط الليل ..
إما الكلمة تعدي تجيب الصبح
إما تنادي إبليس يتعلم منها الشعر " .
-5-
وشمٌ غالٍ على جسد بخس
ذاك الجسد الملعونُ يحاول جذب بساط الفكرِ
لعمق الهوة فاحذر
على الجانب الآخر من النهر ، وبعد انتهاء تلك الجولة الحارة و التي لم تحسم بعد..خرجت " هناء "
جسد عارٍ شفاف ٌ
يستتر ُ
بعفاف الأرض العربيةِ
تحملهُ
أنفاس الشعرِ المنقوشةِ
فوق جناح الحرية ..
بينما هو (شيطانٌ بقلب حورية ) يلف .. يدور .. يبحث عن ذاك السهم الذي جرح " هراء " (الجسد البخس ) ؛ ليعلن للعالم كله أن عليه دم كذب .
Caterpillar يرقة الفراشة (دودة ) أما catermillar ليس لها معنى

ليست هناك تعليقات: