السبت، يناير 10، 2015

القلاع عند البحر...لواء يازجي



القلاع عند البحر


القلاع عند البحر
كالحيوانات؛
يحسُّون بالزلازل قبل تشنجها
يشمُّون فُجر الكائنات الجائعة عند حواف المدن
بالقمر البنفسجي إذ يتسلل
ويبكون..
يسمعون المطر قبل تبلله
والقطارات من البعيد تنده لهم
يتعرَّفون رنين مفاتيح القادم
وينتشون..
يحسُّون بتكاثف قهر في رأس سيصرخ
ومرض يتسلل خاطفًا مَن حولهم
والطيور الكبيرة إذ تترك وراءها ما تترك وتهاجر
ويرفضون اللغة..
بينما نباتات هرمة
أوراق خضراء غامقة وعريضة
كالأكفِّ مغبَّرة
تغطي باجتهاد وأناة
جدران القصور القديمة
والقلاع عند البحر
تزهر أحيانًا
ثم تعود إلى رشدها
لتتأمل برضى
ما تسميه عقم الحكمة المكتسبة مع العمر.
***
زنبقة بيد تمثال

صخرة كبيرة على التل؛
التل هو الصخرة الكبيرة..
لن أبلغ النهاية،
ولن أصل إلى الفصام
سأظل هكذا
يهوديًا مسبيًا
ولا يرى بابل.
أشجار الطرق ملساء الجذوع
الأبنية متعالية
لشرفات مخططة بالأسرار
النهر الضعيف الأبكم
لوجوه من زجاج
كالمانيكانات تعبر..
وأنا أنظر عبر الأشياء فلا أراها
وأنزلق..
ألم يعد قلق الحياة بساطًا خشنًا
عليه تعلق الأشياء الخفيفة إذ تطير؟
أين تؤول بقايا الأفكار الوحيدة،
كسَّار الزبادي
وأوراق الشجر؟
أين يقع البصر،
والأسئلة البسيطة؛ فضول المتسكعين؟
أكلُّ النتوءات في مدينتي سوِّيت سواي؟
أنظر إلى جذعي..
هل تنبع لي أيدٍ وأرجل؟
أم أنني أيضًا مصقولة متطاولة
أتدحرج على الأدراج
أنزلق على الدرابزين الحجري
وقد تسبح روحي دون وزن فوق زهر نيسان؟
أرى عبر من حولي.. دونهم..
واستمتع بحرقة بكل ماهو غارق في الثقل والجمود،
ولا أتمنى الآن
سوى أن أتمكن من شمِّ تلك الزنبقة البلدية
المتروكة في يد ذلك التمثال.
***
غزال النسيان
أَغْلِقْ
فأنت ستقترب
اليوم أيضًا
مرتبكًا
وكأنني لا أحفظ السرَّ.
اقترب، فأنا لن أبتعد
اليوم أيضًا
نشعل الشموع هنا (وهناك).
...
إذ تقترب
سنذكر
كلٌّ على حدى
حبًّا قضى
يتسلل بيننا كغزال ظهر فجأة من وراء شجرة؛
تأمُّلُ سواد عينيه
يجمعنا.
...
تجفلك ذكرى صوت باب
أُوصد في وجهك مرارًا
لتسمع من خلفه نحيبًا رزينًا
يحفر لحاء روحك أعمق فأعمق
تُرجعه الآن مكتومًا..
وكأنني لا أقرأ الصدى
بأصابع من عماء،
وكأن لا تكفيني عيناك إذ تبحثان في المحجر المغمض
لأعرف:
حان لمسهما.
...
إذ تضع رأسك على بطني،
تسند ذقنك على عظمة ناتئة
هنا،
أضيع
مع من أغلق عندها... للتوِّ بابًا نائيًا
بهدوء من مَلك الوقت كله
وبثقة عشاق شابوا سوية
صمتُ وأنا أراه ينسحب في العتم
يحمل معطفه كما في الأفلام
لن يصدق أحدٌ؛
كيف أنني وكالضباب بقيت مستلقية
هادئة
كما أنا الآن..
ولم يذكِّرني أنني لم أعد أسمع الخطى المُغادِرة
سوى ذقنك التي تخزُّ جلدي،
ذقنك وهذه الرغبة.
...
سنتنهد؛
نَفَس آخر مسروق من ليلنا..
إن لم ننطق من حزن،
سنهذي من جمال
أو ستفضحنا الخيالات..
صمتًا إذًا!
وليعبر الغزال بيننا اليوم أيضًا.
...
نحن من بقي لنا.
...
...
كم نحن بعيدان،
وكم نحن قريبان
على شعرة كنَّا العشيقَين.
***
سلسلة صدئة
وعندما ستعود
سأكون قد مشيت.
لكنهم يعودون دومًا حيث لم نعد ننتظر
وحسبنا ألا ننتظر حتى يعودوا!
هكذا تموت قصص الحب الواحدة... الواحدة،
كما في الأغاني، سوء التوقيت يحرِّك مصائر البشر،
كما في الكتب المقدسة تحيل الجهالة دونهم ودون روح العالم.
ابق
وإلا فلا تعد!
إنه لأشقى الحظوظ؛
أن تعود بعدما أذهب
أن آتي عندما تغيب.
لا تغادر
أو لنختف للأبد!
فالجسر المعلَّق بينهما
سأمشيه بمفردي
أنا التي أخاف المرتفعات
سأمشيه رغمًا..
وأنظر للأسفل؛
للشهقة الصماء
كم تحتاج من صدى!
وأنظر للأسفل
لأن الخوف العظيم يحميني.
وعندما أصل بعيدًا
كما يجب
يحين موعد الصوت العابث يهمس "الآن!"
لمسة على الكتف لتلتفت إلى الوراء.
...
شيطان التزامن الخفيِّ أبدًا
لا يخيب.
...
فبينما يلفظ الغزال نفَسه الأخير
قد يتثاءب نمر
قبل أن يقتله الملل.
...
الحياة
حقًا
سلسلة من ديون لن تنتهي.
***
الحصــاة
في بارات مزدحمة
أتسلل كبخور نافر قبل أن يصلَكِ خيطي،
أراقبكِ
دومًا
تراقبينهم.
لطالما همستُ
وأنا أقف خلفك
محميًا بشعرك العالق بذقني المخرِشة
قرب أذنك الساخنة؛
أسبوعًا بقرط وآخر عارية بانتظاري،
شفتاي الباردتان دومًا
لا تُجفلان شرودك الفطري،
والجلد الذي يغطي كتفك لا يمكنه أن يخفي هذي العظام الحادة
التي تنصبك أمامي كسياج شائك
...
وكأنك تتحدثين بصمت
لمن يصفقون لأقليته ترقص فيه
أنت إذ تراقبينه،
إذ تراقبين عبره سلالة من الرطوبة والسحالي،
تُحسِّين بنَفَسي الغيور
يقولها مجددًا:
"أحبك..
أنتظرك..
لك كأسي الأخيرة
وبياض السجائر..
أَلقي رهبةَ نظركِ إليَّ
لكن..
إياكِ أن تفعلي إن كنت لا تؤمنين"..
فأنا عاشق لئيم؛
أنتظر إيماني بك من إيمانك بي
فإن لم يكن..
لا تفسدي إذًا شهوة الصوت العميق
لا تكسري أيقونة انتظارنا..
ولا تستديري..
حسبنا الزمن،
لا تستديري حتى أضيع أنا نفسي بينهم
عندها، ابحثي عني
بعينين من فضول ومن قلق المرّة الأخيرة المؤرّق للنساء
ابحثي عني عقابًا لشككِّ:
أنا أحدهم
بكأسٍ تطبعه الأصابع الوسخة
وأطراف شعر هندي أحمر يبلله العرق..
أنا أحدهم يدلُّك حدسك عليه وتضللك عنه مسافة بينك وبينك.
حين تبحثين أكون قد استدرت صامتًا
عابثًا..
أتلهى بالتنحي والتنصُّب أمام رادار بؤبؤك الأسود،
أُحسُّني في مرماه فيقشعرُّ الأمل فيَّ..
أبتسم ولا أنخدع.
لن تعرفيني حتى تؤمني..
أكملي كأسك ومراقبتك
وضياعنا أسبوعًا آخر..
إذ تضعين رأسك مجددًا على برد الرخام
أتنهد..
فأنا، وكما لا تعلمين، أخاف عثورك على من سواي.
...
أنا حبيبك المغبَّر يا فتاة،
لا تخطئي!
فوهمي – إن لم يكن نصفه-
فكلُّه تسنده حصى القَدر
لا تخطئي!
اعثري عليَّ إن كنتِ لي،
أو اتركيني أضيِّعك
ولا تحزني... فهكذا الحب.
اعثري عليَّ
وإلا
فلأشعل لك تبغك عابرًا لامباليًا
يهز رأسه بـ "لا شكر على واجب"
يجرجر طيفه نحو شأنه
ساخرًا من البصر والبصيرة.
لا تعثري عليَّ حينها... أرجوك
إنها فطرة النساء في الإحساس بالخسارة؛
إنه وقتها ليس الحب.
المصدر
http://www.maaber.org/issue_january15/literature3.htm

ليست هناك تعليقات: